الشيخ محمد النهاوندي
512
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فيها هي آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ والقرآن الظاهر إعجازه لعجز الناس عن الاتيان بمثله ، أو المظهر للمعارف والأحكام والعلوم المحتاج إليها مع أمية من أتى به ، أو المظهر للحقّ والباطل ، أو المراد هي الآيات المكتوبة في اللّوح المحفوظ . ثمّ لمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مع قوّة دلالة القرآن على صدقه شديد الحزن على عدم إيمان قومه به ، سلّاه سبحانه إشفاقا عليه بقوله : لَعَلَّكَ يا محمّد باخِعٌ وقاتل نَفْسَكَ غمّا على قومك لأجل أَلَّا يَكُونُوا مع عظمة معجزتك مُؤْمِنِينَ بتوحيد اللّه وبرسالتك وصدق كتابك ، لا تغتمّ فانّهم ليسوا بأهل « 1 » للإشفاق عليهم ، لكونهم في غاية اللّجاج والعناد للحقّ ، فلا يؤمنون بالطّوع ، وإن أحببت إجبارهم على الايمان ، فنحن قادرون عليه لأنّا إِنْ نَشَأْ إجبارهم عليه نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً عظيمة ملجئة لهم إلى الايمان كإنزال الملائكة أو الصيحة فَظَلَّتْ وصارت بسبب تلك الآية أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ منقادين بحيث لا يقدر أحدهم أن يميل عنقه إلى المخالفة والعصيان ، وإنّما لم نشأ ذلك لعدم الفائدة في هذا النحو من الايمان ، كما لا فائدة في الايمان في الآخرة . ثمّ إنه تعالى نسب الخضوع إلى رقابهم ، مع أنه حال يعرض لهم لأنّها محلّة ، ولذا جاء سبحانه بالجمع الذي للعقلاء . وقيل : إنّ المراد بالأعناق الرّؤساء والكبراء ، كما يقال لهم الرؤوس « 2 » . وقيل : إنّ المراد جماعاتهم كما يقال : جاء عنق من الناس « 3 » . عن الباقر عليه السّلام في هذه الآية قال : « سيفعل اللّه ذلك بهم » قيل : من هم ؟ قال : « بنو أمية وشيعتهم » قيل : وما الآية ؟ قال : « ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر ، وخروج صدر ووجه في عين الشمس ، يعرف بحسبه ونسبه ، وذلك في زمان السفياني ، وعندها يكون بواره وبوار قومه » « 4 » . وعن الصادق عليه السّلام : « أنّ القائم عليه السّلام لا يقوم حتى ينادي مناد من السماء ، تسمعه الفتاة في خدرها ، ويسمعه أهل المشرق والمغرب ، وفيه نزلت هذه الآية إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ ، إلى آخرها » « 5 » . والقمي عنه عليه السّلام قال : « تخضع رقابهم - يعني بني أمية - وهي الصيحة من السماء باسم صاحب الأمر عليه السّلام » « 6 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 5 إلى 9 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 6 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 )
--> ( 1 ) . في النسخة : بآهلين . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 24 : 119 . ( 4 ) . إرشاد المفيد 2 : 373 ، تفسير الصافي 4 : 30 . ( 5 ) . غيبة الطوسي : 177 / 134 ، تفسير الصافي 4 : 29 . ( 6 ) . تفسير القمي 2 : 118 ، تفسير الصافي 4 : 29 .